الجنيد البغدادي
48
رسائل الجنيد
الباب الثاني في ترك الوقوف مع المنازل والمقامات عند القصد إليه قال إمام الشريعة وشيخ الطريقة أبو القاسم الجنيد رضى اللّه عنه ونفعنا به : « اعلموا معاشر القاصدين إلى اللّه تعالى أن العبد لا يزال من اللّه تعالى واللّه منه ما لم يمل إلى غيره ، ولا يقف إلى شيء من دونه ، ولا يلتفت منه إلى شيء سواه ، بل هو الكافي ، فمن اكتفى به كفاه ومن مال قلبه إلى غيره سقط من عينه ، وصار - والعياذ باللّه - مبعدا مطرودا محجوبا عنه ، وأن اللّه تعالى إذا أراد أن يختار عبدا من عبيده وأن يصطفيه لنفسه من بينهم ويخصه به قرّبه منه ، وجعله من أهله فلا يدعه يميل إلى غيره أو يقف مع شيء من المنازل والمقامات ، ومن وقف مع شيء بقي معه ، بل يجعله فردا في القصد إليه رباني الهمة روحاني السر ، ليس له قصد إلا اللّه فكلما قصده بصدق الإرادة مع هيجان نار الاشتياق ، وعلم اللّه من قلبه صدق الإرادة أجلسه على مركب الإنابة إليه ، ثم يربيه بكمال لطفه ويتحفه بلطائف بره وإحسانه وجميل فضله وامتنانه ، فعند ذلك يبصر العبد طول غفلته وتقصيره بحقوقه وكثرة إعراضه عنه ، فصار من شدة حيائه متحيرا مدهوشا مرتحلا بالكلية عن جميع البطالات والغوايات إلى اللّه تعالى ، وصارت النفس مقهورة تحت رؤية اطلاعه عليه فعند ذلك يقوم هذا العبد بقدمي الحياء والخشية على بساط التوبة . فإذا استحكم له مقام التوبة وكاد قلبه أن يقف عليه إلى الموت واكتفى بها وسكن إليها ورضي من اللّه تعالى بها أتى إلى سره نداء الحق سبحانه وتعالى : عبدي مالك تقف عني اكتفيت بدوني وملت إلى غيري وأنا محل آمال كل مؤمل ، إني أنا الذي تبت عليك حتى تبت وأنبت ، عبدي إليّ إليّ ، فعند ذلك تهيج من سره نار الاشتياق إلى قربه ، ويطير سره بأجنحة الهمة نحو ندائه على صدق الإرادة قاصدا إليه ، فلما علم اللّه من قلبه صدق الإرادة أجلسه على مركب العبادة ، ثم يريه جميل عطائه وجزيل كراماته لأهل خدمته وبسط له ميدان طاعته ، لوفاء صدق عبوديته ، فعند ذلك يبصر العبد عيوب نفسه ، وكثرة آفاتها